محمد متولي الشعراوي

1841

تفسير الشعراوى

الحرب ولبس لأمته ، أكان يلبس اللأمة - وهي عدة الحرب - وبعد ذلك يقولون له : لا تخرج فيدعها ؟ لا ؛ فالمسألة لا تحتمل التردد . « فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ » وهذه فائدة الإيمان ، وفائدة الإيمان : أن الجوارح تعمل والقلوب تتوكل ، معادلة جميلة ! الجوارح تقول : نزرع ، نحرث ، نأتى بالبذر الجيد ، نروى ، نضع سمادا ونفترض أن الصقيع قد يأتي ونخشى على النبات منه فنأتى بقش ونحوه ونغطيه ، كل هذه عمل الجوارح . وبعد ذلك القلوب تتوكل . فإياك أن تقول : المحصول آت آت لأننى أحسنت أسبابى ، لا . لأن فوق الأسباب مسبّبها . فالجوارح تعمل والقلوب تتوكل ، هذه فائدة الإيمان لأننى مؤمن بإله له طلاقة القدرة ، يخلق بأسباب ويخلق بغير أسباب . الأسباب لك يا بشر ، أما الذي فوق الأسباب فهو للّه ، فأنت حين تعمل أخذت بالأسباب ، وحين تتوكل ضمنت المسبب وهو اللّه - سبحانه - . إذن فالجوارح تعمل والقلوب تتوكل . إياك أن تظن أن التوكل يعنى أن تترك الجوارح بلا عمل ، لا ، فهذا هو التواكل أو الكسل ، إنه التوكل الكاذب ، والدليل على كذب من يقول ذلك أنه يحب أن يتوكل فيما فيه مشقة ، والسهل لا يتوكل فيه ، ونقول للرجل الذي يدعى أنه يتوكل ولا يعمل : أنت لست متوكلا ، ولو كنت صادقا في التوكل إياك أن تمد يدك إلى لقمة وتضعها في فمك . كن متوكلا كما تدعى ، ودع التوكل يضع لك اللقمة في فمك واترك التوكل ليمضغها لك ! وطبعا لن يفعل ذلك ، ولهذا نقول له أيضا : إن ادعاءك التوكل هو بلادة حس إيماني وليس توكلا . إن الحق سبحانه وتعالى يقول : « وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ » و « عزمت » تقتضى عزيمة ، والتوكل يقتضى إظهار عجز ، فمعنى أنى أتوكل على اللّه أنني استنفدت أسبابى ، ولذلك أرجع إلى من عنده قدرة وليس عنده عجز ، وهذا هو التوكل المطلق .